10 نصائح عملية بعد 10 سنوات من العمل


قبل بضعة أشهر أتممت 10 سنوات في حياتي العملية كـ “موظف” تدرجت فيها وظيفياً بمسميات مختلفة و مهام مختلفة، و الأهم من ذلك تدرجت في طريقة تفكيري و تعاملي مع معطيات العمل مع إختلاف بيئات العمل التي عملت فيها. و لما رأيت من أخطاء وقعت أو كدت أقع فيها، و لما أرى من أخطاء أو مشاكل يواجهها بعض الشباب و الشابات حديثي التخرج، رأيت أن أكتب هذه التدوينة التي ألخص فيها أهم 10 نقاط تعلمتها خلال هذه الـ 10 سنوات.

 

1- لا تستعجل

إن أكثر صفة رأيتها في حديثي التخرج عند إلتحاقهم في أي منظمة هو إستعجالهم الشديد على إرتقاء السلم الوظيفي، سواء كانت رغبتهم في الحصول خلال سنوات قليلة على منصب إداري أو رغبتهم في أن يتغير مسماهم الوظيفي لمسمى أكثر “قوة و برستيج” كل سنتين أو ثلاثة! ناهيك عن من يعتقد أن راتبه يجب أن يزيد زيادة مضطرده و بنسبة كبيرة كل سنة بغض النظر عن ظروف السوق و الأداء المالي للشركة التي يعمل بها.

نصيحتي هنا .. لا تستعجل. نعم يجب أن تعرف حقوقك و واجباتك و يجب أن لا ترضى بأن يهضم حقك حينما تكون الفرصة متاحة و أنت تستحقها فعلاً، ولكن دائماً و أبداً قيم الأمور من جميع النواحي و إحرص في الثلاث سنوات الأولى من عملك على إكتساب الخبرة و الخبرة فقط، فإذا كانت الشركة التي تعمل بها تمنحك خبرة كبيرة و تشعر أنه مع مضي كل يوم عمل أنك تعلمت شيئاً جديد فأنت في نعمة لا تقدر بثمن. إصبر و أنظر من حولك و أستثمر في نفسك و ستأتي الفرصة لا محالة.

 

2- إحذر أصحاب النظارات السوداء

من هم أصحاب النظارات السوداء؟ هم أولئك الذين يرون أن كل ما يجري في الشركة كابوس و كل القرارات الإدارية كوارث و أنه لا أمل يرجى من هذه الشركة التعيسة، هم أولئك الذين يملؤون غرف الإستراحة و كافتيريا الشركة بأحاديث جانبية مع كل من يدخل عن مدى إنحدار الشركة و إنعدام الأمل في تحسن الأحوال! الغريب في الأمر أن أصحاب النظارات السوداء هؤلاء رغم عدم رضاهم المطلق عن الشركة فهم لا يستقيلون و لا يبحثون عن فرص وظيفية أخرى و تجدهم عادة من المعمرين في مناصبهم بدون تقدم يذكر! إحذرهم فكل ما يخرج من أفواههم “كذب” و لا تستفيد من مجالستهم إلا إنتقال طاقة سلبية تؤثر سلباً على تقدمك الوظيفي.

 

3- قيم تطورك المعرفي قبل الوظيفي

نعم من المهم جداً أن تقيم تقدمك الوظيفي كل سنتين أو ثلاثة و هذا ما سأذكره في النقاط القادمة، لكن الأهم من ذلك أن تقيم تقدمك المعرفي! فإذا كنت تشغل وظيفة و بدأت تشعر أنه خلال السنتين الأخيرة لم تكتسب معرفة إضافية ملحوظة و أن كل ما تقوم به هو ممارسة روتينية لما إكتسبته مسبقاً من مهارات و معرفة، فقد يكون الوقت قد حان للتغيير. طبعاً يجب أن تفرق بين التطور المعرفي الذي يحصل في السنوات الخمس الأولى و الذي يجب أن يكون تطور هائل من ناحية الكم و الكيف، و بين التطور المعرفي بعد ذلك و الذي سيأخذ بطبيعة الحال وتيرة أبطأ، ولكن إحذر أن يتوقف تطورك المعرفي تماماً. إبحث عن الأسباب، هل بطء تطورك المعرفي لأن الوظيفة التي تشغرها لم تعد تتطلب المزيد من المهارات أو لأنك لم تعد تستثمر وقتك بتعلم الجديد أو لأن الشركة لم تعد تفتح الباب لمشاريع جديدة تتماشى مع تطور سوق العمل!

 

4- إعرف قيمتك السوقية

ذكرت في النقطة الأولى أن لا تستعجل أبداً، و لكن لكي تكون مطالباتك في الترقية أو الحصول على علاوة منطقية، يجب أن تعرف قيمتك السوقية. لذلك إبحث كل سنتين أو ثلاثة عن الفرص الوظيفية المعروضة في السوق بنفس عدد سنوات خبرتك و بنفس مجالك، إعرف ما هي المزايا الوظيفية التي تأتي بها تلك الوظائف من راتب و حوافز و بيئة عمل و تدريب. بذلك تكون على معرفة بقيمتك السوقية، لكن لا تبحث عن ذلك قبل 3 سنوات على الأقل من عملك و ذلك لأن أغلب الشركات لا تعتبر خبرة السنة أو السنتين خبرة حقيقية بل تعامل من يملك خبرة بهذه المدة على أنه حديث تخرج!

 

5- حدث سيرتك الذاتية

و هذه نقطة مهمة لها علاقة بالنقطة السابقة، عند قيامك بمشروع مهم أو إنجاز كبير على المستوى العملي تأكد أن سيرتك الذاتية تعكس ذلك. لا تجعل السيرة الذاتية كتيب ذكريات تكتب فيه عن كل مشروع إشتركت فيه و ماذا كان دورك بالتحديد في ذلك المشروع، لا حاجة لذلك و لن ينظر أحد لذلك بكل صراحة، بل إجعل سيرتك الذاتية مختصرة و لكن تعكس إسهاماتك العملية الكبرى. و عندما أقول سيرة ذاتية فأنا أقصد كل أشكال السير الذاتية (ليس فقط ملف الـ PDF الذي ترسله بالإيميل للشركات) و لعل أحد أهم أشكالها حالياً هو ملفك الشخصي في LinkedIn  و مساهماتك في مجال تخصصك على الشبكات الإجتماعية الأخرى (تويتر، سناب تشات ..) تأكد أنك تعكس فعلاً صورتك الحقيقية و قيمتك و وزنك المعرفي في كل تلك الشبكات و لا تخجل من إطلاع الجميع على ما تمتلكه من معرفة في مجال تخصصك.

 

6- إستثمر في نفسك .. لا تنتظر الدورات التدريبية

أشدد دائماً بالنصح على أي متقدم لوظيفة جديدة عندما يستشيرني أن يتأكد أن المنشأة التي سيلتحق بها تقدم مستوى عالي جداً و مستديم من الدورات التدريبية الخارجية و الداخلية في مجال التخصص أو دورات المهارات العامة Soft Skills ، و لكن نسبة المعرفة التي يمكن أن تتحصل عليها من خلال هذه الدورات قد لا يتجاوز في أفضل الأحوال 20% من إجمالي المعرفة التي يمكن أن تحصل عليها من مصادر أخرى؟ ما هي المصادر الأخرى؟

 

التدريب على رأس العمل OJT (On the Job Training)

و يقصد فيه كل ما يمكنك معرفته و عمله أثناء تأدية عملك و يأتي ذلك بعدة طرق:

  • إتخاذ مرشد Mentor : شخص ترى أنه قدوة، تعجبك شخصيته و يعجبك أدائه في العمل و تتمنى أن تصل بأسرع وقت ممكن لما وصل إليه، قد يكون زميل أو مدير في إدارتك أو في إدارة ثانية، إذهب له و أخبره أنك تريد أن تقضي معه ساعة كل أسبوعين أو كل شهر و أخبره ماذا تتوقع بالضبط من هذه الإجتماعات.
  • الإستفادة من تجارب الأخرين: تعمل في مشروع و واجهتك مشكلة، و تعرف تماماً أن فريق آخر كان يعمل على مشروع مشابه، إعقد إجتماع مع مدير ذلك المشروع و أطلب منه النصح حيال المشاكل التي تواجهك. معرفة إضافية مجانية في وقت سريع!
  • التجربة و الخطأ Trial and Error : خاصة في المجالات التقنية، فإن أغلب الشركات تتيح بيئات إختبارية لتجربة أي شيء ترغب بتجربته، قم بالتجربة و شاهد الأخطاء التي تقع فيها و تعلم منها و صححها في مجالك الرئيسي.

التعليم الذاتي Self Learning

و أقصد فيه ما يمكنك تعلمه من عدة مصادر معرفية متاحة مثل:

  • الكتب: إقرأ (أو إستمع) لكتاب على الأقل شهرياً في مجال عملك أو في مجال لتطوير الذات Self Development لإكتساب مهارات جديدة مثل إدارة الوقت، التفكير الإستراتيجي، علم النفس ..
  • كورسات الفيديو: هناك ملايين من مصادر التعلم المرئية على الإنترنت، لعل أشهرها ما يقدمه موقع Lynda.com من آلاف الكورسات المرئية لكل شيء تتخيله تقريباً، سجل و أحصل على كورسات إحترافية بأسعار رمزية.
  • المقررات الضخمة المفتوحة MOOC : و هي كورسات أكاديمية ضخمة تقام على الإنترنت لعدة أسابيع تقدمها جامعات او جهات أكاديمية عن مواضيع هامة و عملية تلامس غالباً حاجات سوق العمل تحصل بإكمالك لها غالباً على شهادة رسمية من تلك الجهة. أشهر منصاتها هو موقع Coursera و عربياً موقع رواق.

 

 

7- التقييم السنوي .. كن صادقاً مع نفسك

أحد أكثر اللحظات حساسية كل سنة لكل موظف و كل مدير، حيث تلتقي توقعات المدير العالية جداً مع تطلعات الموظف العالية جداً أيضاً. لا يمكنني تقديم الكثير من النصح لأنني أعتقد أن شخصية الموظف و المدير تلعب دور كبير بإدارة دفة هذا اللقاء، و لكن نصيحتي الوحيدة لأي موظف (و حتى مدير) بأن يكون صادق جداً مع نفسه، و أن لا تأخذه رغباته و تطلعاته الشخصية عن الحقائق، قم بإدارة شريط الذكريات و قيم فعلاً ما تم إنجازه. يفضل دائماً أن تقوم بعمل مفكرة تسجل فيها بشكل شهري إنجازاتك و تشاركها مع مديرك على سبيل التذكير لكي لا يأتي التقييم السنوي و كل ما يتم تذكره هو آخر شهرين أو ثلاثة !

 

8- أترك أثراً و إرثاً

إذا كنت تعمل لإدارة دفة العمل و تسيير المعاملات و المهام فعليك فعلاً أن تراجع نفسك. يجب أن يكون لعملك أثراً يحسن أولاً من طريقة أدائك لمهامك و يساهم أيضاً في تطوير البيئة ككل. حسن في الإجراءات Procedures التي تتبعها الشركة، قدم إضافة ملموسة يمكن أن يتبناها كل من يعمل في قسمك أو يمكن أن تعمم حتى على كل الشركة. فكر فيما يمكن أن تغيره في صميم ثقافة الشركة لكي يسير العمل بكفاءة أكبر، بسلاسة أكثر و بأقل التكاليف. دائماً أترك خلفك إرثاً طيب في حال قررت مواصلة عملك في مكان آخر.

 

9- إن لنفسك عليك حق

دائماً ما أنصح الموظفين الجدد بأن يكونوا مرنين جداً فيما يتعلق بساعات العمل و بضغوط العمل حتى إن لم يكن التعويض المادي مجدي لتلك الساعات الإضافية ما دام أن الخبرة و المعرفة و “الأثر” الذي ستتركه تلك الساعات الإضافية ملحوظة و ملموسه للجميع. و لكن تذكر أن لنفسك عليك حق، لا تجعل بأي حال من الأحوال تعاونك و رغبتك الشديدة بالتعلم و تقديم المزيد سبباً في إغراقك لساعات متأخرة يومياً و في أيام نهاية الأسبوع بأعمال ليست من صميم تخصصك أو لست المسؤول الأول عنها ، خاصة إذا كان هذا الأمر يتكرر لشهور عديدة. إحرص على الإستمتاع بإجازتك السنوية و أخبر مديرك إن أمكن أنك لن تكون على إطلاع على بريدك الإلكتروني أثناء الإجازة و أن هاتفك مفتوح للأمور الطارئة جداً فقط.  تعلم أن تقول “لا” في بعض الأحيان و لكن من المهم أن تعرف كيف تقولها و متى.

 

10- بادر

لا يجب أن يكون عملك هو عبارة عن ردود فعل Reactive لما يسند إليك من مهام من مديرك، بل كن مبادراً Proactive و قدم الإسهامات التي ترى أنها أولاً ستساهم فعلاً في تطوير العمل و ثانياً ترى نفسك في هذه المبادرة، ترى أنك تستطيع قيادة كل ما يتعلق بها من الفكرة و حتى التنفيذ. الأشخاص المبادرين عادة ما يكون لهم منزلة كبيرة في الشركات خاصة إذا كانت تلك المبادرات تنبع من شغف حقيقي و مبنية على معرفة متكاملة في موضوع المبادرة.

 

 

كانت هذه 10 نصائح أرى من وجهة نظري المتواضعة أنها أهم 10 نصائح يمكن تقديمها لأي شخص في مقتبل حياته المهنية. شاركوني أرائكم.

‎التعليقات‫:‬ 7 On 10 نصائح عملية بعد 10 سنوات من العمل

  • شكرًا لك
    تدوينة قيمة ومفيدة جدا
    اعتقد باني احتاج لقرائتها من حين لآخر

  • نصائح من ذهب بعضها حسيت انه من جد انا محتاجها وغيرت نظرتي لسوق العمل
    شكراً جزيل الشكر ياناصر

  • نصائح عملية وواقعية ، وأحب أن أضيف :
    – أهمية تكوين علاقات طيبة مع كل الأطراف التي تتعامل معها بدءاً بالزملاء والرؤساء والمراجعين فكل له أثره على حياتك حالياً ومستقبلاً .
    -العمل بمبدأ الوفرة ومشاركة من حوليك بما قد تجيده من مهارات وفنون متذكراً بأن ما تبذله من خير فسوف يعود عليك بالخير عاجلاً أم إجلا.
    – كن ذا همة وطموح وكن في يوماً ما المثل الذي يحتدى به ، فاليوم أنت من يغرف من هذا المنهل وغداً أنت المورد لغيرك.
    بارك الله فيك على طرحك لهذه النصائح بل على هذه الدرر الغالية

  • الأخ المستشار: ناصر الناصر

    لا فض فوك كما قالت العرب.

    نصائح تلامس الواقع بنسبة 100% وقد عشتها جميعاً.

  • د0 نعيم كامل شبير

    نصائح ناتجة عن خبرة حقيقية ويجب أن تسجل بماء من ذهب

  • عبدالله درويش

    شكرا لك أخ ناصر
    نصائح مفيدة جداً

  • كلام جميل ونصائح قيمة
    نريد شخص آخر قضى عشر سنوات في العمل الحر أن يخبرنا بالدروس المستفادة
    فنحن لسنا من محبي العمل الوظيفي

‎أضف رد:

‎بريدك الإلكتروني لن يظهر لأحد

‎القائمة الجانبية المتحركة

القليل عني

القليل عني

مرحباً بك في مدونتي الشخصية. أنا ناصر الناصر، مستشار منصات التطوير في شركة مايكروسوفت. مهتم بالتقنية و الإدارة و التبسيط للحد الأدنى Minimalism. أكتب في هذه المدونة عن تقنيات الويب و الحوسبة السحابية، بالإضافة إلى إدارة المنتجات و ريادة الأعمال. أشارك بين الحين و الآخر مراجعاتي الشخصية لبعض المنتجات و الخدمات.

ملفاتي الشخصية