إنقضى عام .. و كبرت مائة عام


في عرف الجميع هي سنة، في حسابات الفلك هي 365 يوم و ربع، لكن الأكيد أنها لم تكن كذلك بالنسبة لي! عام 2017 كان و بكل جدارة عام المائة عام بالنسبة لي. أشعر و كأنني كبرت لعقود، أشعر أنني تعلمت دروساً كنت لأحتاج عشرات السنين لأتعلمها، أشعر و أن زاوية النظر لهذا العالم قد تغيرت بالنسبة لي 180 درجة. أنا الآن أنظر للعالم بطريقة مختلفة كلياً. لا أعلم ان كان هذا الأمر جيد أو سيء، لكن ما أعرفه هو أني قد خضت ما يكفي من تجارب في 2017 لتغيير نظرتي عن أمور كثيرة.

 

على صعيد الحياة

روتين حياتي كان قائماً على وجودها، على الحديث لها، على رعايتها، على نظراتها الحنونة، على دعواتها الصادقة في صلواتها، على قبلة رأسها الطاهر، على لمسة يدها الحانية. أثقل كاهلها المرض لسنوات و غير روتين حياتها و لكنها كانت صامدة، متفائلة و مقبلة على الحياة، كيف لا و هي التي علمتنا أن لا نحزن و لا نشقى و أن كلُ مسير لما خلق له. حتى أتى عام 2017 و أثقل كاهلها ذلك المرض بأمراض متعاقبة. أوقات عصيبة جداً لبضعة أشهر مررنا بها أنا و أخوتي ما بين مراجعات يومية للمستشفيات، تنويم لأسابيع، غرف عمليات، غرف عناية مركزة و متوسطة، غرف طوارئ، غرف عزل صحي. كل هذا و أنت تشاهد أعز ما في عالمك يذبل أمامك و لا حول لك و لا قوة الا بالدعاء و التضرع. و لكن هي الأقدار التي لا مفر منها. شاء الله أن يأخذ أمي حبيبتي إلى جواره في عام 2017 ليكون هذا العام نقطة تحول في حياتي. فقدت أعز ما أملك، فقدتها في ظروف كنت في أمس الحاجة إليها، فضغوط الحياة و العمل كانت على أشدها و كانت دعواتها و كلماتها الدافئة هي دائماً ملجأي في مثل تلك الظروف. عزائي الوحيد أنها إرتحلت إلى جوار ربها لترتاح من عناء هذه الحياة و ثقل تلك المواعيد الأسبوعية للمستشفيات و لتعيش ناعمة منعمة في جناته بإذن الله.

تجربة قاسية، مؤلمة، صادمة، فرغم أنها رحمها الله مهدت لنا رحيلها في الشهرين الأخيرة، إلا أنه و بمجرد أن تعيش ذلك الأمر حقيقةً واقعة هو شعور لا يصدق. حمل ثقيل جداً و أنت تشعر أنك ستواجه ما تبقى لك في هذه الحياة بدون أم. نعم كبرت، تزوجت، أصبح لدي أطفال و زوجة يملؤون علي حياتي، و لكني أظل ذلك الطفل الذي يشتاق لمجالسة أمه، لتقبيلها، لسماع صوتها، لإتصالاتها المتكررة لتتطمن على حالي في مثل هذا الأجواء الباردة. بفقد الأم يغلق باب من أبواب التوفيق، لمست ذلك حقيقة واقعه في عملي الذي أصابه ما أصابه من مشاكل و معوقات بمجرد دخولها رحمها الله إلى العناية المركزة في أسابيعها الأخيرة. عندما توقف لسانها عن الدعاء لي إنهمرت علي المشاكل من كل حدب و صوب. الدرس الوحيد الذي قد أستطيع أن أمرره لك عزيزي قارئ هذه السطور هو: إن كانت أمك على قيد الحياة، فأرتمي بأحظانها و لا تتوانى في أي لحظة أن تكون بجانبها و أن تعمل على رد نذر يسير من ما جابهته في هذا الحياة لتجعلك ما أنت عليه. و إن كانت قد فارقت الحياة، فكن أنت من لا ينقطع عملها بسببه ، كن أنت الولد الصالح الذي يدعو لها.

 

على صعيد العمل

تغييرات إدارية ضمن فريق العمل في بداية السنة جلبت معها ملامح لبعض المصاعب التي قد أواجهها، لم أستبق الأحداث و واصلت عملي كما ينبغي، كيف لا و قد فزت في العام الماضي بجائزة Circle Of Excellence التي تمنح لأفضل الموظفين أداءاً على مستوى شركة مايكروسوفت عالمياً. لذلك كان ينبغي أن أواصل العمل بوتيرة أعلى كون سقف التوقعات مني قد إرتفع أمام المسؤولين المحليين و الإقليميين في الشركة. صادفت تلك التغييرات تدهور الحالة الصحية لأمي و إضطراري للغياب لأيام عديدة لمرافقتها في غرف العناية و العمليات، هذا عدى عن الحالة النفسية المتدهورة التي كنت أعيشها في تلك الأيام. و لكن يبدو أن الإدارة الجديدة رأت في ذلك فرصة لسكب الزيت على النار، فما توانت عن رفع التقارير السيئة بحقي و بحق إلتزامي تجاه العمل ضاربين بعرض الحائط أي إعتبارات لأي ظروف إنسانية! مرت تلك التقارير مرور الكرام بفضل ثقة الإدارة الإقليمية بما يحمله إسمي من إرث إيجابي في الشركة. تعلمت هنا أنه لا عدو دائم و لا صديق دائم، ليس في السياسة فحسب بل و حتى في العمل. الحقد و الدسائس و المؤامرات قد تأتي حتى من أقرب الناس لك، قد يكون قرب الشخص منك و سلامة نواياه الظاهره هي بسبب أنه لا يملك عليك أي سلطة، لكن ما أن تتاح له تلك السلطة حتى يكشر عن أنيابه و يبدأ بتسديد لكمات الحقد لك متى ما أتيحت له الفرصة. لذلك إحذر عدوك مرة، و إحذر صديقك ألف مرة!

تمر الأيام و الشهور بعد عودتي للعمل بعد وفاة والدتي رحمها الله و يحين الوقت لمغادرة الشركة للإنضمام لعمل جديد و ذلك في ظروف قاسية و سيئة و “غير إنسانية” ، يأبى زملاء العمل و من قضيت معهم في 4 سنوات وقتاً أكثر مما قضيته مع أهلي يأبون إلا أن يزيدوا قساوة الموقف بذلك الوداع البارد الباهت الخالي من كل ما اعتدنا عليه في الشركة من الإحتفال بالشخص المغادر تكريماً له على إنجازه و على وقته.  لا بأس، فهذا أيضاً درس جديد بأن لا أعقد أمالي على أحد، و أن أخفض دائماً سقف توقعاتي على الصعيد الشخصي و العملي. لا تتوقع من أحدهم أي شيء، إن أحسنت فأحسن لما يمليه عليك ضميرك و واجبك، و لا تنتظر كلمة شكر أو لمسة إمتنان أو حتى “إيميل” تقدير و مودة. كما قالت والدتي رحمها الله “كل واحد يعمل بأصله” ، و بالتأكيد فإني لست في مجال العمل لتغيير أخلاق أحدهم أو تغيير سلوكه.

 

عندما أقف في هذه اليوم الأخير من 2017 و أنظر ورائي، أرى عاماً مليئ بنقاط التحول، مكتظ بالمشاكل، سمته العامة الجروح و المصاعب، عشت فيه معنى الفقد، معنى الإحباط، معنى خيبة الأمل بالأصدقاء. و لكني أختار أن أحمل معي لعام 2018 تلك الدروس و العبر التي و بكل تأكيد ستجعل مني شخصاً أخر، شخصاً أفضل، شخصاً كانت لتفتخر أمي به.

 

‎التعليقات‫:‬ 4 On إنقضى عام .. و كبرت مائة عام

  • لا اعرفك ولم اتابعك الا من فترة قصيرة جدا حين كنت ابحث عن افضل لابتوب وكان من ضمن النتائج ما كتبته في مدونتك ومنذ تلك اللحظه اشتركت بها واصبحت اقرأ كل جديدك
    انت حتما متميز و تاكد ان هذه الصفعه ماهي الا لتقويك و اتمنى لك مستقبل افضل والمع من الماضي ومتاكده وواثقه باذنه انك ستقف ولكن اقوى و اكثر نجاحا

  • تدوينة لامست القلب وخيبة الامل مشتركة ف هذا العام، متعك الله بأحبابك ورحم والدتك ..

  • تدوينة لا مست الكثير بداخلي
    و رحم الله بطنا أنجبتك ويحق لها أن تفخر
    وأسأل أن يسكنها أعلى الجنان..

    رغم كل شيء فشكرا لا توفي حقك
    وإن كنت لا تعلم فقد كنت سببا
    في فتح آفاق جديدة لمحدثك
    و إغلاق صراعات داخلية..

    كل دعواتي لك بالتوفيق في مشروعك وعملك الجديد
    ومثلك يحتذى به..

    بوركت أستاذي

  • عظم الله أجرك في فراقك لوالدتك
    التدوينة فيها من الألم الكثير، لكن من الجميل أنك لم تنكسر ونظرت للأمر بإيجابية، أرجو لك سنة جديدة مليئة بالإنجازات والأحداث السعيدة

‎أضف رد:

‎بريدك الإلكتروني لن يظهر لأحد

‎القائمة الجانبية المتحركة

القليل عني

القليل عني

مرحباً بك في مدونتي الشخصية. أنا ناصر الناصر، رئيس قطاع الحوسبة السحابية في وزارة الإتصالات و تقنية المعلومات. مهتم بالتقنية و الإدارة و التبسيط للحد الأدنى Minimalism. أكتب في هذه المدونة عن تقنيات الويب و الحوسبة السحابية، بالإضافة إلى إدارة المنتجات و ريادة الأعمال. أشارك بين الحين و الآخر مراجعاتي الشخصية لبعض المنتجات و الخدمات.

ملفاتي الشخصية